المُرَبَّع

مربعٌ مرعب، على جدرانه تزحف العقارب، تتمرغ الساعات. مربعٌ عربي، مسحوقين في زواياه، ممسوحين في نواياه، مطموسين في ثناياه، مشطوبين في حكاياه. مكعب متعِب، مربع مرعب، لا مفر فيه من الخطايا. يتململ فيه الرعايا، تُشوَّه فيه البداية وتُستأصل منه النهاية. لا نهاية لحيرتنا ولا ونس في جيرتنا ولا بركة في بيرتنا ولا أمجاد في سيرتنا. مربعٌ مذنب، مُحكَمُ الإغلاق، أنفاسه كَتْمَةُ أنفاق، أنفاسه بحرٌ يتنهد، وطبخٌ وفاكهةٌ نضرة ودخان سجائر رخيصة، يَسحب منها المحابيس تصاريح بقائهم، ينفخون فيها كوابيسهم ذات المئة حفرة والألف شفرة والتعاسة الضجِرة والسطوح المهجورة والاتجاهات المجبورة والشظايا المنثورة والأبواب المقفولة والسطور المنقولة والأساطير المبذولة والعيون المذهولة. مستقبلٌ مُشفِق، مربعٌ داكن، مقلِق. بيتٌ تفوح منه رائحة الهجرة وما تركه الأحبّة، ما خلّفوه من أحوال بلا تفسير وأقوال بلا تفكير وأولاد بلا تدابير، من وخز للضمير ووجع أسير وغياب شرير. حتى من بقي، رحل، حتى من قاوم، اندثر، حتى من صمد، انكسر، حتى من عاش، انتحر. مربعٌ موصد الشبابيك، أعذاره تلاكيك، أرضيته سيراميك، هواؤه سميك، سُكانه مماليك، عصافيرٌ وُلدت بلا أجنحة، منكفئة على الأضرحة، سلّمت أجسادها الهزيلة، لمخالب التفكيك. مكعّب مُطرِق، مربع مُطبِق، تنفلت منه ضحكات متثائبة، تائبة، غائبة. من شمسه الغاربة، أحياناً تلمس حرارة، تستشعر شرارة. حتى نسائه المخروسة، أحياناً تُجعِّد عيونَهم الفرحة، تنساب من على رؤوسهن الطرحة. تغلبهن كذبة الأمل، فتهون المرارة للحظة طيّارة. المربّع ضروري، مصيري، غده مُجهَض. ألوانه بهجةٌ منسية وذكرى مطويّة وأحلام ورقية. يطبع فيك سحره العجوز، تستعصي عليك عيونُه وتستحوذ عليك خيوطه. لا يتفضّل عليك بترف الفهم، يرمي بذورك فيربطك من جذورك التي يتفانى في اجتثاثها، ثم يحصد سرورك، ويهدم جسورك. لا يبرحك، ولا تبرحه. مُسلسَل في حيطانه، مُهَلهَل في حيضانه. يعصرك فتعذره، يبتزّك فتشكره، يرجمك فتغمره، ينساك فتذكره. يخاصمك بعيونه الطيّبة، يلومك ويلوكك، يحاصرك، فتصالحه وتصارحه، حتى يطيب جرحه. وكل ما اقترفه، تغفره.